الأربعاء، أبريل 04، 2007

أحزان 1

لا أدري من أين أبدأ الحكاية ؟
زميل دفعتنا سألت عنه بعد سنة من تخرجنا كان ذكيا وسيما قوي البنية أين يعمل ؟ توفي من سرطان في المخ.
زميل لنا في تخصص الهندسة المدنية وكان سباقا في مجال برمجة الكمبيوتر حتى إنه كان ينافسنا توفي من سرطان في المخ.
صديقي ورفيق سفري انشغلت عنه عاما عن السؤال عنه نتيجة سفري وانشغالي توفي من سرطان الكبد.

هل من قصة ذلك الأخ الفاضل الذي كان يصلي معنا في المسجد وكان شعره شائبا كله رغم ما يبدو من صغر سنه ربما لم يتجاوز الخامسة والثلاثين كان يجتهد في دعائه في السجود ويتأثر كثيرا وكنت أغبطه على ذلك وكان يتغيب بين الفينة والفينة وعندما أسأله كان يقول إنه في المستشفى ولم أكن أعلم طبيعة المرض الذي عنده ولكن ما أعلمه جيدا أنني عندما سافرت وعدت بعد عدة أشهر كان قد توفي رحمه الله وكان مرضه سرطان في المخ.

ذلك الأخ الفاضل الذي كان يصلي معنا في المسجد وكان يعاني من سرطان في القولون وعندما ذهبت برفقة بعض الإخوة لزيارته وكانت حالته متقدمة جدا ولكنه كان نشيطا ويذهب ويجيء ولكني عندما زرته كان ممدا على ظهره على سرير وكان يدعو وعندما هممنا بمغادرته كانت كلمته التي كررها وظللت أسمعها وتتردد في أذني حتى الآن رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاما "ادعوا لي بالتثبيت" وكانت هذه آخر ليلة له في الدنيا وكانت جنازته مهيبة مشهودة رحمه الله.

أم من قصة ذلك الرجل القوي الذي كان إداريا قويا يهابه الجميع وعندما مرض بسرطان القولون تجنبت زيارته لزعمي أنني لا أحب أن أرى الرجل القوي في موطن يكون فيه ضعيفا وعندما زرته كنت منشغلا كيف سأتكلم معه وكيف سأصبره وإذا به رحمه الله يصبرننا ويمسك زمام الحديث ورأيت الكتب الإسلامية بجواره وعلمت أنه يؤلف كتابا عن الصبر والمرض والابتلاء وقد نشر هذا الكتاب بعد وفاته وكان نافعا نعم رأيته وقد زاد عمره أربعين سنة في عدة شهور لكنه كان فيما نرى ذلك الرجل القوي المتماسك.

ابنة لك المهندس الراحل الذي يثني عليه جميع من سمع اسمه رحمه الله أصيبت بسرطان الدم وهي في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة وماتت خلال شهر من اكتشاف مرضها قال عنها من مرضوها أنها كانت عجيبة في صبرها وأن الذين يذهبون إلى هناك يظلون يتأوهون إلى أن يموتوا وهي ظلت تذكر ربها رغم حداثة سنها.

خلال هذا الأسبوع صديقة زوجتي والتي كانت مصابة بورم وتم إزالته قبل عام ظهر عندها ورم في الرئة وعندما تقرر لها العلاج الكيماوي كان من المفترض أن تستمر فترة على العلاج لا تنقطع خلالها ولكنهم اكتشفوا وجود كيس مائي في المخ وتحته ورم رحماك يارب هي تقول الحمد لله أن لي لسانا يذكر ربي وأذهب للأشعة على قدمي .

أحاسيس متنوعة دائما تراودنا جميعا خلال هذه التجارب أريد أن أخطف الأفكار وأسجلها لكن أغلب هذه الأفكار ذاتي لا أدري هل هذه أنانية أم اضطراب في العواطف
دائما أضطرب في الدعاء لهؤلاء علمت من التجارب السابقة أن هذه طريق واحد لا رجعة منه هل أدعو بالشفاء؟ نعم أدعو بالشفاء "قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون" لكن أغلب دعائي أدعو لهم بالعافية التي قد تكون في الشفاء أو تكون بالرحمة الواسعة في الدنيا والآخرة وتخفيف الآلام يا أخواني والله إنهم يتألمون آلاما عظيمة .

لماذا أصيب فلان أو فلان ماذا كان يأكل ماهي عاداته هل هو الموبايل هل هي الكيماويات هل أذنب ذنبا عظيما هل أكل حراما .....كل إنسان يقلق على نفسه يتفحص جسمه وهكذا كما قال لي أحد زملائي والذي أوصل زوج أخته للمستشفى وعاد يتفحص نفسه في المرآة وأصيب بالوهم.

إننا جميعا نحاول أن نعرف سببا ماديا بحيث نقول إن هذا السبب لا ينطبق علي وكأننا لن نموت دائما أقول إن الدنيا للآخرة كأي رقم بالنسبة إلى مالا نهاية (رياضة) وأي رقم ستون سبعون ثمانون ان شاء الله مائة وعشرون غاية مطمح المحافظين على صحتهم أي رقم يقسم على مالا نهاية يعطي صفر.
وأقول أيضا أن المصائب ربما تكون رفعة للدرجات وليست دائما تكفيرا للسيئات.

إحساس الراحة بعد وفاة أحدهم وكأنك فرحت له أن خفف الله عنه هل هو إحساس آثم؟ وهل ظهر الأرض لأغلبنا خير له أم باطنها سيأتي زمان يمر الرجل على القبر يقول لصاحب القبر يا ليتني كنت مكانك من شدة الفتن الذي تحيط به في الدنيا وخشيته على دينه.

في قمة الألام والدماء ونقل الدماء والبكاء والوساوس والخوف من المجهول
هناك قوم وجوههم شاحبة من كثرة البقاء في الظل والمكيفات أصواتهم هادئة من الأدب الزائد والرفاهية المطلقة ومن مؤتمر إلى مؤتمر ومن مستشفى لمستشفى ومن تغيير سيارة إلى تغيير سيارة ومن متابعة أخبار ذلك الزميل أو المنافس إلى ..............
أنت بالنسبة لهم مجرد رقم ...مجرد عميل مؤقت على وشك أن يفقدوك أنت ميت ميت والحي أبقى من الميت ... وأين الحي الذي لا يموت؟؟؟؟؟؟؟؟
الأطباء وآه من الأطباء ومن حولهم من خبراء الرحمة
أدعو أولا لمن نزلت الرحمة في أعماق قلوبهم فسكنتها وجعل الله ذكرهم والدعاء لهم على كل لسان ولن أذكر أسماء كما أنني لن أذكر أسماء الآخرين
هؤلاء الراحمون أسأل الله أن يرحمهم في الدنيا والآخرة ولهم سمت مشترك كما أن الآخرون لهم سمت مشترك
الراحمون يعيشون حالة المريض ويعرفون أخباره وأسرته وظروفه وأحواله ويعاملونه برفق كإنسان يتألم ويتأثر بالعطف والرحمة والجبارون يتعاملون معه كأنه ميت .. رهينة درع بشري للحصول على مرادهم من أقاربهم

أحد هؤلاء الراحمين فيما نحسبه ترتعش يده حين يعطي مريضا إبرة وهو من هو في مجاله ويعرفه كثيرون ممن يقرؤون كلامي هذا بل ويساعد المرضى وكثير منهم لا يأخذ منه أتعابا بل ربما يشتري له العلاج بل ربما يساعده ايضا بالمال نسأل الله أن يتقبل من كل محسن.
بينما نعرف كثيرا من الجبارين يدفع المريض دفعا بل وربما يتعصب عليه
الجبارون يتعاملون مع المريض كما يتعامل تاجر سيارات الحوادث مع السيارة مات من مات في الحادث ويذهب يتفاوض مع أهله ليشتري السيارة بما أن الحي أبقى من الميت

مرت صديقة زوجتي على أربعة أطباء كلهم قالوا عملية شفط للكيس المائي ولا نقترب من الورم على فروقات بينهم في تفاصيل المقاولة ومكان إجراء العملية والكثير من هذه المقاولات تحتوي على صفقة بعمل العملية في مستشفى حكومي مع التفاوض الخارجي مع الطبيب بحيث يقوم هو بعملها في إطار عمله الحكومي مع استلام ثمنها نقدا ومقدما.......عادي

أحدهم تبرع (أقصد تشجع) وقال لابد من إزالة الورم رغم أن كثيرا من أطباء الأورام ومنهم طبيبنا الراحم يرون أن ذلك بمثابة استفزاز للخلايا السرطانية ومن الناحية العلمية المسألة مسألة خلافية لكن أين الرحمة طلب مبلغا كبيرا أجرة يده وليس له دخل بالمستشفى ولا تخدير ولا دم ولا ............فصال.

كنت أسأل سؤال ولا زال يلح علي : هل الفترة التي يقضيها المريض بين أيدي هؤلاء القوم ويكون خلالها منوما أو في الجراحة أو تحت العلاج أو أو.... وفي النهاية يموت هل الأفضل أن يحتسب ويتحمل ويقضي هذه الفترة نفسها إلى أن يموت والإجابة لا يعلمها إلا من أصيب بهذا المرض أو ذاك أجابني بعض من تجرأت بهذا الكلام أمامه إنهم لا يستطيعون التحمل وإن الآلام شديدة فيارب رحماك بهم أحسن إليهم وأنزل عليهم صبرا من عندك وأثبهم ثواب الصابرين بغير حساب وارزقهم منزلة الشهداء وعافهم واجعل ما أنزلت بهم رحمة لهم ووسيلة إلى جنتك وعافنا أجمعين.

من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا : ما أعظم ذنوب هؤلاء الذين قد يكون لهم دور في إصابة من أصيب بالسرطان........ أي مكسب أو متاع يوازي عظم هذه الذنوب كل نفس تموت كقتل الناس جميعا يالله.
الطبيب المذكور وبعد أن توسط لديه أحد الأطباء الرحماء وبدافع الرحمة توسط ( أحسن الله إليه) قبل الطبيب المذكور القيام بالجراحة بمبلغ اقل أي قبل الفصال الذي كان ممنوعا وستجرى الجراحة غدا فنسأل الله للمريضة العافية ولجميع مرضى المسلمين.
قرأت مرة مقولة للقاضي عياض معناها إن المؤمن وبعد أن تصيبه الكثير من المحن و الأمراض والابتلاءات في الدنيا يكون قد تدرب على الثبات في المحن فإذا نزلت به محنة الموت يرزقه الله الثبات لكونه قد أصبح صلبا من كثرة الشدائد أما الآخر فيكون معافا في الدنيا فتنزل به محنة الموت فلا يثبت أمامها
فيا مقلب القلوب ثبت فلوبنا على دينك وارزقنا عند الموت شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون

أما الحبيبة الراحلة أم زوجتي فسوف أذكرها في الجزء الثاني من هذه التدوينة بالتفصيل.

الاثنين، أبريل 02، 2007

أيام زمان

مشاركة جديدة من أيمن1
=====================================
لا أتذكر إن كان الوقت ظهرا أو عصرا و لكنه كان نهارا, و النهار عندنا معشر الصغار هو وقت فعل أي شيء في شارعنا الضيق والطويل جدا بالنسبة لنا كنت ألهو وحدي أو مع بعض أترابي لا أتذكر ذلك أيضا لان ما حدث يومها حجب عن ذاكرتي تلك التفاصيل غير المهمة ، صوت إمرأة تستغيث على الطريقة التي تتقنها نساء منطقتنا الشعبية – يا لهوتييييييييييي يا لهوتيييييييييي ألحقوني يا ناااااااااااس إبنيييييييييييييييييي يا لهوتيييييييييييييييييييييييييييييييييييييي – كان الصوت كافيا لان تنشق أبواب المنازل المتلاصقة و المتراصة في تجاور حميم عن عدد لابأس به من شباب الشارع – معظمهم الآن على مشارف الكهولة – و فجأة وجدت نفسي كالقرد الصغير في فيلم طرزان عندما اندفع نحوه قطيع الأفيال الهارب و هو يحاول أن يتفادي الوقوع تحت أقدامها اللاهثة – و لكن قطيع الأفيال هنا كان أحرص مني على ألا يطأني مما اتاح لي الفرصة للالتصاق بالحائط و مشاهدة المنظر برؤية الكاميرا العينية
أطوالهم الفارعة بالنسبة لي بدت أكثر طولا ، ملامح وجوههم المضطربة و القلقة كانت أكثر وضوحا – الصوت ده من بيت مين؟ ، دا من بيت الشيخ سعد – تلك العبارات سمعتها يتبادلونها بينهم و هم يركضون ، ما زلت أتذكر صوت أرتطام أقدامهم القوية بأرض الشارع الترابية أثنا ركضهم – بعد لحظات عادت قافلة المنقذين و قد علت وجوههم ابتسامة عريضة كانت بشيرا لي بزوال الخطر عن شارعنا او عن الجارة التي استغاثت منذ قليل ، و حتى يومنا هذا لم اعلم سبب الاستغاثة أو نوع الخطر الذي راودته نفسة بالاقتراب من شارعنا ولم يعمل حساب قوة الردع السريع الموجودة خلف أبواب المنازل المتلاصقة . – أولئك الشباب خرجوا من بيوتهم بمجرد سماع الصوت و لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن مصدره أولا- فمعرفة الاتجاه دون المصدر كانت تكفي للانطلاق، المشهد كله أتذكر تفاصيله التي حكيتها و قد مر عليه من الزمن أكثر من خمسة و عشرين عاما .

يوم من شهر رمضان قبل الإفطار بساعة - ، اركب دراجة والدي ألهو بها لحين موعد الإفطار – الميدان مزدحم بكافة أشكال السيارات و البشر- ، كائن أسطوري طويل القامة عريض الكتف يجري مسرعا بين السيارات المتوقفة في خط متعرج رسمته الفجوات بين السيارات , لفت انتباهي له انه كان يعدوا مضطربا ، دخل أحد الشوارع المتفرعة من الميدان – لحظات و ظهر بين السيارات كائن آخر أقل طولا و حجما و سرعة – كان أدنى من الكائن السابق في كل شئ – بدا واضحا أنه يطارد الكائن الأول و قد خرج صوته متحشرجا ضعيفا – حرامييييييي ، حراميييييييي – كنت صغير السن دون العاشرة و لا أعلم ما الذي دفعني للاستدارة بدراجتي و الاندفاع خلف ذلك اللص الأسطوري و بعد أن انطلقت بالدراجة لم يكن هناك بد من استمرار المطاردة على أمل أن يلحق بي أحدهم و يخرجني من تلك الورطة التي وضعت نفسي فيها – شارع طويل جدا من الشوارع التي تكثر في منطقتنا يربط بين حيين – اللص أمامي و أنا أعدو بدراجتي خلفة – الشبشب البلاستيك انقطع و أنا أبدل بالعجلة – مش مهم ، أدركت أنني اصبحت دليل المطاردين في معرفة مسالك المجرمين
شاب دون العشرين واقف على باب منزله و أمه العجوز تفترش الأرض بجواره – يرتدي عباءة من القماش الخفيف نصف كم – كان الوقت في عز الصيف – في إيه ياله – قالها صائحا – لم أزد على قولي – حرامي- ، كان الحرامي قد مر عليه و هو يعدوا و أنا خلفه أقود الدراجة بسرعة جنونية بالنسبة لصبي – كانت كلمة حرامي هي إشارة الانطلاق لذلك الشاب – من الصفر إلى مائة كيلو في ثلاث ثوان سبقني و أنا راكب العجلة – زي الفورميولا ون – مرة أخرى اتابع المشهد بعين الكاميرا المحمولة على الدراجة المسرعة – اللص كان يتفوق على الشاب في كل شئ طول بعرض – الشاب قصير القامة نحيف جدا – عند ركضه انتفخت عباءته الخفيف بالهواء خاصة أنه رفع أطرافها فوق ركبتيه – ظهرت سيقانه النحيلة و كان أعلى ركبته مماثل لقصبة رجله – و لكنه كان سريعا جدا – اللص أمامه على بعد خطوتين او ثلاث بالضبط – معركة غير متكافئة- الشاب يطير في رشاقة يحسده عليها راقص باليه محترف – اصبحت قامته متساوية مع قامة اللص – إذا أخذنا في الاعتبار مساحة الفراغ تحت الشاب الذي طار في الهواء – يده النحيلة بدت كمطرقة قوية عندما سقطت على وجه اللص سمعت بعدها صوت طرقعة – تراااك – بدت لي أصابع الشاب و كأنها سياط سودانية تلهب ظهور العصاة – سقط اللص على الأرض من ضربة واحدة قاضية – التفت خلفي وجدت ما يصلح لأن يكون نواة لجيش التحرير – بعضهم مسلح بالعصي و كلهم مسلحون بشهامة ولاد البلد – اقتادوا اللص لنقطة الشرطة -
أبي و أمي حفظهما الله يترحمان على أيام زمان – أبي في السبعين و أمي تجاوزت الستين - ، أنا الآن مثلهما أترحم على أيام زمان و أنا في الثلاثين !!!!! – سبحان الله هل تغير مجتمعنا بهذه الدرجة في ذلك الوقت القصير – عاش أبي اكثر من خمسين عاما على الأقل قبل أن يبدأ المجتمع و الناس في التغير– اما أنا فقد أصبحت شيخا مثل أبي لكني شيخ في الثلاثين عشت أياما جميله أترحم عليها .
أشد ما يحزنني أن أحدا من اولادي الصغار لن تكون له ذكرى جميله كالتي عشتها – ذكرى مجتمع كان الكل فيه يهب لنجدة المكروب .
كنت زمان ألاحظ في أخبار الحوادث عبارة ثابتة – و تمكن المارة من اللحاق به و اقتادوه لقسم شرطة كذا – الآن اختفت تلك العبارة ،
أصبحنا نقرأ في الجرائد – و قد أتت النيران على كل محتويات الشقة – الله يرحم أيام زمان كانت المطافي تيجي تعمل المحضر بس أما إطفاء الحريق فكان مهمة أولاد البلد .
ألم أقل لكم أيام زمان جاءتنا مبكرة !!!!!!!!!