السبت، مارس 17، 2007

أبي وأنا وأصحاب المهن

كان أبي يرحمه الله يجتهد أن يتقن كل صنعة يحتاجها في المنزل أو يحتاجها أحد أقاربنا وكان يجتهد أن يؤديها على أصولها بحذافيرها يعني يحصل على أسرار المهن (know how).
يا لها من أيام أيام الأجازات حيث كان يقوم بمثل هذه الأعمال من النجارة والسباكة والكهرباء بل والدهان وإن لم يكن فبتغيير نظام الغرف وكنت أكره هذه الأيام جدا حيث كان علي أنا وأخي أن نناوله المعدات والمسامير وكافة ما يطلبه وعلى وجه السرعة وعلينا أيضا أن نكون حاضري الذهن بحيث نحاول أن نعطيه ما يحتاجه في الوقت المناسب كما يفعل الصبي مع معلمه ولنا أيضا نصيب الصبي من التعنيف أوالمكافأة. وكان هو يجتهد أن يبتكر أفكار وحلول لما يواجهه من معوقات وأذكر كيف كان يبتعد قليلا وجبينه يتصبب عرقا وينظر ويضع يديه في وسطه ثم يخرج بابتكار لحل المشكلة.
ولما شببت عن الطوق قليلا كنت أحمل ذكريات أليمة من هذه الأيام المرهقة وكان قد سمح لي بقدر من الديموقراطية والحوار فكنت دائم الاعتراض على هذه الاستراتيجية وكانت "أيديولجيتي" هي "ادي العيش لخبازه"
وان هؤلاء القوم هم أقدر على أداء ما تخصصوا به وكانت هذه "المعارضة" هي وسيلتي لعدم المشاركة.
وبغض النظر هل كان المحرك لوالدي هو معاناته من الصناع أم قصر ذات اليد,

هذه المشكلة أصبحت أعيشها من أول يوم تزوجت أصبحت لي مشكلات مزمنة مع هؤلاء القوم (إلا من رحم الله منهم ورحمنا بهم)
- عدم حب الإتقان.
- عدم الالتزام بالمواعيد.
- عدم مراعاة النواحي الجمالية.
- التفكير التقليدي وعدم الابتكار.
- الاعتداد الشديد بالرأي والاستكبار عن التراجع عن الخطأ.
- التصرف أحيانا ثم التفكير بعد التصرف.
- عدم الاكتفاء بالأجر المتفق عليه والمساومة عند الانتهاء من العمل.
- تفضيل كثير منهم الراحة والنزهة على أكل عيشه.

لا أنكر أنني وأنك بين الفينة والعشر فينات الأخرى نقابل أحد من شذ عن هذه القاعدة وهذا يظهر عليه من أول لحظة أنه ليس من هؤلاء القوم وأحيانا يكون ذكره قد سبقه.
لا يحبون الإتقان وطالما أن الأمور تسير وأن الزبون سوف يقنع بما تم أوحتى لم يقنع وأمكنهم إقناعه فأقل قدر من العمل يكفي .
المواعيد وآه من المواعيد (استمع أشرطة ظاهرة التهاون في المواعيد)
النصف ساعة يعني يوم واليوم يعني الأسبوع القادم ويوم الخميس يعني الاثنين و"أنا مقدر أنك مستعجل" يعني "حاوريك ازاي تستعجل" و"راح مشوار وجاي" يعني "روح يتغدى وينام" وانتظره لحين تنتهي قيلولته وهلم جرا؟
وإذا وصل الأمر إلى أنك أصبحت عميلا مضمونا وبعد أن أصبح في وسط العمل وجاءه عميل محتمل يعطيه أولوية لحين ضمانه ثم يتحول إلى غيركما وهكذا.
إلى آخر هذه القائمة من السمات المشتركة التي علمتها عنهم على مر السنين خذ مثلا الاعتداد بالرأي : هو يرى أنك وكأفندي بنظارة أو دكتور على حد تعبيرهم لا يمكنك أن تفهم دقائق صنعته وأنك مهما حاولت إقناعه أن هذه يمكن أن يتم عملها بطريقة أفضل إذا كانت هكذا فهو لا يلتفت إلى نصائحك والحل فعلا أن ألح عليه وأقول له بالله عليك "خدني على أد عألي يمكن يطلع كلامي صح" ويالها من لحظة انتصار حين يحكي نجاح التجربة على أنها من بنات أفكاره طبعا.
كم من سيارة عانت من تخريب أو كسر قطعة بلاستيك صغيرة لا يوجد بديل لها في أي توكيل لمجرد استعجال في الفك أو التركيب.
وهو في ذلك لا ينسى نفسه في أجازة يوم الأحد أو الجمعة ووقت الغذاء والسيجارة والشاي.
وأحيانا تجده يقدم على أمور لا يحسنها ويعتقد أنه قادر على التصرف ثم فجأة يقف في مكانه .
رأيت عند ميكانيكي سيارة قام كهربائي بقطع الأسلاك (الضفيرة) ظانا أنه قادر على إرجاعها كما كانت, وكانت السيارة من نوع أمريكي تعمل معظم أجزائها بالكهرباء وفشل هو أو غيره في إرجاعها كما كانت , وكانت معروضة بربع الثمن.
بل وتكبدت وقتا مرة من ميكانيكي قام بفك ناحيتي الفرامل ولم يستطع إرجاعها إلا بعد وقت طويل
وقد يقوم أحدهم بدق مسامير في أماكن غريبة من الأثاث ، أو وضع شاشة كمبيوتر لإصلاحها بوجهها الرقيق على طاولة خشبية فيخدشها خدشا لا يعوض وقد حدث لي ذلك.
بل قام سمكري أمامي بطرق باب السيارة بالشاكوش فكانت الضربة من نصيب الزجاج ثم التفت إلى وقال : أصابه سرطان ودفعت أنا ثمنه
وربما يكون الشيء قابلا للإصلاح ويكلفونك ثمن الجديد أو ثمن قطعة غير موجودة أو نادرة وهي تمشي الحال
أما إذا كلفتهم أن يكون شيء متوازي أو متزن أو هكذا وأصررت على ذلك فربما تحصل على ما أردت وربما لاتحصل ويظل مائلا أمامك مدار السنين.
وربما إذا وجدوا منك إصرارا على شيء ما أن يهددوا بترك العمل وأن تحضر أنت من يكمله معتمدين في ذلك على بروتوكول "عرف بينهم" أنهم يكلفونك في التعديلات أو إتمام عمل غيرهم أكثر من العمل الأصلي.

ثم إنهم يحملون عليك هذه الأعباء الإضافية التي ربما تكبدوها بسب استهتارهم وتهاونهم في المواعيد وإقدامهم على فعل أشياء قبل التفكير فيها أقول يحملون كل ذلك بكلفة إضافية عليك ومساومتك في النهاية.
بل وإذا حاولت أن تكون محددا معهم في الأجرة يقولون لن نختلف واللي تجيبه ثم إذا أعطيتهم أجر المثل يعترضون ويطمعون.
باختصار أخلاقيات المهنة غير موجودة إلا في القليل النادر.

وعلى مدار السنين أصبحت حريصا على اقتناء الكثير من الأدوات ومحاولة الحصول على أسرار الصناعات (النو هاو) بقدر ما أستطيع وأصبحت أحب ألا أعطي العيش لخبازه قدر استطاعتي حتى ولو كان نتيجة ذلك جروح في يدي أو توصيلة مياه غير محكمة تظل تنقط لحين أجد وقتا لإعادة فكها أو قطع غيار تالفة أوحتى اللجوء للخباز لإصلاح الرغيف المعجن على أن يكون نصيبه مني الإشراف والابتكار نيابة عنه ومحاولة إقناعه أن يقوم بذلك على طريقتي وليس على ما ورثه أيام كان صبيا من معلمه.
=========================
وكما تعلمون أن الصفات المذكورة قد تشمل أولا تشمل الأطباء والمهندسين الذين أنا منهم والمدرسين وكافة أصحاب النظارات

هناك تعليق واحد:

مهندس مصري يقول...

كل كلامك صحيح و لكن لشدة انهماكي في العمل و معاناتي مع الصنايعية طول اليوم في الشغل لا أمد يدي في أي شيئ من هذا القبيل في البيت
و فعلاً يظل والدي يصلح في السباكة مثلاً أو بعض أعمال النجارة أو الدهانات بنفسه و نقوم أنا و أخي بعمل الصبيان له و إن كان أخي يساعده أكثر لأنه مازال طالباً بالكلية رغم أنها كلية هندسة أيضاً
يعني برة البيت مهندسين و جوة البيت صبيان الحاج الوالد
أما عن اتقان العامل لعمله ففعلاً
لا تجد إلا القليل النادر الذي يراعي الله في عمله و يعمل بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم عن اتقان العمل
و لكن المرء مضطر لمراقبتهم بعين صقر في العمل طوال الوقت لأني سأوقع بالإستلام على أعمالهم و أنها مطابقة للمواصفات
بل و سأوقع على الحصر لكميات بنود الأعمال و المستخلص المالي للمقاول ليتقاضى قيمة ما تم تنفيذه من أعمال
يعني مسئولية ضخمة خاصة إذا عرفت أن القيم المتوسطة للعمليات المعتادة التي أشرف عليها تكون في حدود مليون إلى 2 مليون جنيه على الأقل
بخلاف العمليات الضخمة التي تصل قيمتها إلى عشرات الملايين
و الحمد لله أنني لم أصل للإشراف على عمليات بمئات الملايين بعد
نسئل الله العفو و العافية و أن يثبتنا على الحق و يحفظنا من الزلل