الخميس، مارس 29، 2007

ثم أكل رأسه

المشهد الأول :
اختفى قرص الشمس الدامي خلف رمال لا نهائية مخلفا وراءه ظلمة تنساب رويدا تلف أرجاء المكان في صمت مهيب , خيمة من الوبر ينبعث من ثقوبها أضواء شعلة من النار تتراقص في انسياب ورشاقة مع نسمات ليل أعلن عن مقدمه منذ قليل ، يجثو على ركبتيه مطاطأ الرأس و قد جمع كفيه تحت ذقنه صامت لا يتحرك تبدو في عينه نظرة خشوع و خوف و رجاء , تلك المشاعر التي تنتاب من كان في حضرة العظماء يرجوا رحمتهم و يخاف عذابهم ، لا نعلم كم من الوقت مر عليه و هو على هذا الحال و لكن لا يظهر عليه الملل أو الكلل ربما هو هنا منذ قليل و ربما منذ أيام أو شهور . إنه الآن يهم بالنهوض , استقامت بنيته قوية و متينة تنم عن شخصية ذات جلال ووقار ملامح وجهه تحمل بقيا خشوع جلسته الأول , زفر في ارتياح كأنه أزال همًا ثقيلا عن كاهليه ، نظرة حانية رقيقة من عينيه إلى طرف الخيمة المقابل له ، مد يده - تناول شيئا في اهتمام بالغ و كأنه يلتقط روحه من أرجاء الفضاء - وضع ما التقطته يداه في جعبة حريرية مطرزة بالذهب , خرج من الخيمة و تلفت حوله أمسك بزمام راحلته ، نظر إلى الفضاء أمامه حيث تعانقت الأرض و السماء , ثم مضى .

المشهد الثاني :
شمس حارقة و كأنها أعلنت الحرب على أهل الأرض جميعا و لكنها خصته هو دون غيره ليكون الند في النزاع
لم يجد ما يصد هجومها سوى صخرة منتصبة في قلب الصحراء و كأنها المنار على الشاطئ يُهتدى به , ظاهرها قيظ الشمس و باطنها ظل ظليل , لاذ بها , أناخ راحلته , ونزل ضيفا محتفى به ، اطمأن على جعبته الحريرية وضعها في مساحة الظل المتاحة من الصخرة و جلس بجوارها و قد طال هجوم الشمس بعضا من جسده ، لا يهم طالما أن الجعبة الحريرية في أمان فكل ما عداها يهون ، أغمض عينه أو هي غلبته راح في نوم عميق .

المشهد الثالث :
قبل الغروب بقليل تململ في نومته , انتبه في فزع ، تلفت حوله مذعورا ، مد يده و تحسس الجعبة الحريرية , عاد الهدوء إلى وجهه كطفل وجد أمه بعد طول قلق و ضياع , قام من رقدته , نفض الغبار عن جعبته و احتضنها في حنان بالغ , هم بالرجوع إلى راحلته و لكنه لم يجدها , أطلت في عينية نظرة ريب ما لبثت أن تحولت إلى فزع و هلع , أين ذهبت الراحلة بما عليها من زاد و طعام , هو الآن يرى الموت قريبا منه ينظر إليه و يراه بل ربما يتحداه .

المشهد الرابع :
لا يعلم كم مر عليه من الوقت ولكنه ليس قصير و يعلم أنه لم يبق له غير القليل , يومان بلا ماء أو طعام , يوما أو بعض يوم ويقابل الموت الذي طالما ران له من بعيد , لا يجد ما يصد به هجمة الموت الأخيرة
ليس بيده أي سلاح أو أداه يدافع بها عن نفسه , ها هي جيوش الجوع تعلن سقوط آخر قلاع روحه تحت أقدامها , خارت قدماه فسقط على الأرض معلنا هزيمته , مد يده يتلمس جعبته الحريرية , عينه المغمضة عادت إليها بقايا الروح المنفلتة فومضت بوميض خفيف و لكنه ملحوظ , فتح الجعبة و أخرج ما فيها بيد مرتعشة , تأمله بنظرة ساخرة , ابتسم ابتسامة خفيفة ، ثم أكل رأسه . انتهى .

مفاتيح الحل _
الزمان : قبل بعثة النبي صلى الله عليه و سلم
المكان : أرض الجزيرة العربية
الشيء في الجعبة الحريرية : تمثال مصنوع من العجوة يعبد من دون الله عز وجل
==================================================
كتب القصة الرمزية أحد المشاركين الأعزاء وسوف نرمز له لاحقا بالرمز أيمن 1 لحين استحداثه اسما لنفسه
باب المشاركات مفتوح بشرط الالتزام بشروط المدونة والتي تتضح من سياق المدونة ونلخصها في النقاط التالية
- أن تكون التدوينة تخدم هدفا من الأهداف المذكورة في أعلى المدونة (الاهتمامات)
- أن تكون التدوينة قصيرة نسبيا – البعد عن التطويل الممل.
- ألا تتعرض لأشخاص بعينهم إلا للضرورة القصوى.
- البعد عن السياسة وحقوق الإنسان قدر الإمكان لما في ذلك من جهد ضائع.
- أن تكون التدوينة مبتكرة وغير منقولة.
أعتقد أن التشارك في مدونة واحدة هو من قبيل الفضفضة المشتركة وهو يصب في خدمة الهدف كما قلنا سابقا.
==============================================================
بخصوص رمزية القصة أعتقد إكمالا للهدف وبعيدا عن مفتاح الخريطة أفشي سرا وأقول إن الأستاذ أيمن 1 يريد إيصال فكرة وهم متكرر لنا جميعا وهو أولئك القوم الذين يدعون المباديء والأهداف السامية فقط حين لا يكون ذلك يتعارض مع مصالحهم الشخصية وأهوائهم أما إذا حصل التعارض فتسقط المباديء على أم رأسها مأكولة ممجوجة النوى وهو أخذ محورا لذلك قصة الذين كانوا يصنعون صنما من العجوة فإذا جاعوا أكلوه بل أكلوه من رأسه.
وربما نتكلم عن الموضوع أكثر لاحقا ولكن حتى ذلك الحين جزى الله أيمن 1 خيرا لتنفيره من تلك الصفة المذمومة بهذه الطريقة المشوقة والصياغة الجيدة.

هناك 3 تعليقات:

Aiman يقول...

من النقاط الأخرى التي أردت إثارتها من المقال هو أننا في بعض الأحيان نجعل على تفكيرنا و حياتنا قيودا جامدة تمنع عنا التفكير السليم أو قبول ما هو جديد أو مخالف , في حين أن تلك القيود و التي يمكن أن تتسبب بوفاتنا الفكرية هي في الأصل محض خيال و أوهام لذلك علينا ان نميز بين ما هو قيد فعلي واجب التقيد به و بين ما هو قيد متوهم و مصطنع يجب التخلص منه و اكله من راسه .

أحمد الدرعه يقول...

ما شاء الله , أسلوب ممتاز :)
ربما تلك القصة تناسب جو التعديلات الفنكورية فمن يدري .. ربما بعد 10 أعوام اخري يأكلون الفنكور من رأسه هم كذلك.

khaled يقول...

حلوة القصة و اسلوب شيق